صوتوا لأجل وقف بيع أراضينا المنهوبة!!
--------------------------------------------------------------------------------
لماذا لا تفصح الحكومة عن اتفاقياتها الغامضة مع الشركات الأجنبية؟
ولتكن الانتخابات أداتنا لوقف بيع أراضينا الزراعية!!
نقلا عن الاستاذ النوبي الغيور الصحفي محمود عابدين:
قضية حقيقية في متناول اليد، لا يرضاها السودانيون جميعاً بلا استثناء لا يسلط عليها المرشحون الضوء الكافي في حملاتهم الانتخابية ولا تجد منهم الاهتمام المطلوب، وهي كفيلة بإثارة الرأي العام السوداني وقلب موازنين القوى الانتخابية بامتياز!!.. فقبل يومين، حذر خبير مصري من لجوء عدد من دول حوض النيل ومن بينها السودان إلى عرض أراضيها الزراعية للبيع أو الإيجار للشركات الأجنبية، معتبراً ذلك أكثر خطورة على بلاده من السدود التي أقامتها أثيوبيا على نهر أومو. ونقلت صحيفة الصحافة عن الاستشاري الهندسي المصري الدكتور ممدوح حمزة، تحذيره أن هذه الأراضي التي تم بيعها ستروى من مياه النيل، وهو ما يعتبره تهريباً وسرقة لحصة مصر من المياه، مستشهدا بعرض السودان حوالي 30 مليون فدان للإيجار أمام الشركات والدول العربية والأجنبية، منها شركات خليجية وأمريكية، وشركات من كوريا الجنوبية والأردن. ويرى مراقبون أن وقف هذه الإجراءات التعسفية التي تلامس سيادة الوطن تحتاج إلى تنوير المواطنين بخطورتها وضرورة استصحابها قضية رئيسة في الانتخابات.
ويبدو أن الحكومة تمارس أقصى درجات التعتيم والالتفاف حول التقارير التي تنشرها الإصدارات العالمية في هذا الصدد، حيث تغطي خططها لبيع الأراضي تحت ستار:" تشجيع الاستثمار الأجنبي في البلاد". على هامش ندوة أقيمت بدولة خليجية حذر وزير سوداني سابق من خطر البيع العشوائي للأراضي الزراعية لأجانب، مشيراً إلى انه التقى وزير زراعة ولائياً في دولة خليجية خلال ترويجه لحملة منظمة لبيع أراضي زراعية تابعة للولاية الشمالية، عارضاً تأجيرها لمدة 99 عاماً، إلى جانب الإعفاءات الضريبية المذهلة. وبعد صدور القرار الجمهوري رقم 206 والقاضي بمنح وحدة السدود حق مصادرة الأراضي الزراعية المملوكة للمواطنين، كانت الولاية الشمالية الأولى على كل السودان في استشعار الخطر وبخاصة من قبل مناهضي السدود الذين يرون في بيع الأراضي لمستثمرين الأجانب، إجراءا ذو صلة وثيقة بإصرار الحكومة على إنشاء تلك السدود.
ويتساءل المستشار المصري وفقاً لما أوردته الصحيفة: من أين ستروى هذه الأراضي؟ خاصة وأن اجمالى حصة السودان من مياه النيل لا تتعدى الـ 19 مليون متر مكعب كما يقول، مطالباً بضرورة أن تأخذ الحكومة المصرية موقفاً من هذه الدول التي تعرض أراضيها للإيجار، وتعرف من أين ستروى هذه الأراضي حتى لا تزرع من حصة مصر من المياه، ويصل الأمر في النهاية لمجاعة كبيرة بين المصريين!!.
من المفارقة أن مصر نفسها لم تنظر طويلاً للبكاء على أطلال الأراضي السودانية المصادرة لصالح التملك أو الاستئجار من قبل الأجانب، فهي وفقاً لما كشفه مستشار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي الدكتور سعد نصار، تقوم حالياً بدراسة الخطط المطروحة لزراعة 1.2 مليون فدان بالأراضي السودانية!!، الأمر الذي يدعوا إلى التساؤل حول أسباب كل هذا التراخي من قبل الحكومة واستسهالها بيع أو تأجير أراضيها أو بالأحرى أراضي مواطنيها للأجانب؟!! ومن بين السيناريوهات التي تدرسها مصر مع المسؤولين في السودان، تخصيص أراضي للمستثمرين المصريين، تقدم الحكومة السودانية من جانبها التسهيلات فقط، على أن يقوم المستثمرون بإنشاء البنية التحتية.
قضية بيع السودان وغيره من الدول الفقيرة لأراضيها، أصبحت محط أنظار الخبراء في كل العالم، فقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية بتاريخ 13 فبراير الجاري، أن مستثمرين عرب وآسيويون يسعون للحصول على حقوق استغلال أراض زراعية شاسعة في الدول الإفريقية بصفة عامة، وفي السودان على الوجه الخصوص، باعتباره أكبر بلد إفريقي. وتقول الصحيفة أن السؤال الذي يردده الكثير من الخبراء والمراقبين الاقتصاديين، هو هل من المعقول أن يتم اللجوء إلى البحث عن مستثمرين أجانب منذ الوهلة الأولى؟ أم من الأجدى أن يتم استنفاد كل فرص الاستثمار المحلي أولاً؟.. وتشير الصحيفة إلى انه، وفي ظل تكالب الكثير من الدول على الأراضي السودانية لاستغلالها وزراعتها، تظهر أصوات تعرب عن قلقها إزاء ما يصفونه بظاهرة “الاستيلاء على الأراضي”، أي السيطرة على الأراضي الزراعية من قبل دول أجنبية تريد ضمان أمنها الغذائي في حين أن خمسة ملايين سوداني يعتمدون على مساعدات غذائية دولية"!!.
في يونيو عام 2009م، أصدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، تقريراً حول ظاهرة استحواذ بعض الدول الغنية لأراضٍ في دول أفريقية فقيرة، حذر فيه من الآثار السلبية لظاهرة منح حكومات أفريقية (من ضمنها السودان) لمساحات كبيرة من أراضيها لحكومات دول غنية أو شركات مدعومة من تلك الحكومات بهدف استثمارها زراعياً. ووفقاً للتقرير، فقد أشترت كل من الصين وكوريا الجنوبية ودولاً خليجية ما يعادل (2,5) مليون هكتار من حكومات السودان وإثيوبيا وغانا ومالي ومدغشقر خلال السنوات الخمس الماضية، مما جعل البعض يتحدث عن نوع من الاستعمار الجديد، خاصة وأن بعض الدول المستثمرة تشترط قدوم عمالتها لفلاحة الأرض. ويثير التقرير المخاوف أن يؤدي ذلك إلى تدخلات عسكرية في المستقبل من قبل الدول المستثمرة لحماية مصالحها الاقتصادية. وتقول الفاو أن معظم الدول الأفريقية التي دخلت بجموح في اتفاقات من هذا النوع ليس لديها آليات كافية لحماية حقوق مواطنيها(الذين لا يشاركون في صنع القرار)، حيث إن قوانينها ليست متطورة بما فيه الكفاية للتعامل مع هذه الظاهرة الجديدة، كما يضعف فيها مستوى الشفافية بشأن توافر المعلومات للرأي العام، وتضعف فيها الرقابة المؤسسية على عقود البيع وحيازة المنفعة للأراضي. ومن المفارقة تقول الفاو، أن كل الدول الفقيرة التي تفرط في أراضيها ما زالت تتلقى الدعم المالي من برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة.
في تقرير لصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 25/11/2009م، حول نفس الموضوع جاء أن مستثمرين من القطاع العام أو الخاص في قطر وليبيا ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة والسعودية، وكذلك من الصين وكوريا لديهم الآن حقوق استغلال طويلة المدى لمليوني فدان (8400 كيلومتر مربع) من الأراضي الزراعية في السودان، وهو ما يوازي تقريبا مساحة لبنان، وفق بيانات وزارة الدولة للزراعة.
من جانبها تقول حركة كوش وهي مجموعة نوبية تنشط في مناهضة السدود التي تخطط الدولة لإنشائها في المنطقة النوبية على حساب سكانها الأصليين، أن الحكومة قامت ببيع مساحات من الأراضي الزراعية بسهل قولد جنوب دنقلا لشركة الخضراء التونسية، حيث اشتملت الصفقة على منح الشركة المذكورة أراضى سهل القولد لمدة 99 عاما، و إعفاءا كاملاً من الضرائب، وامتياز شراء المحروقات بأسعار مدعومة. كما تعفى الشركة التونسية من رسوم الجمارك لجميع معداتها والياتها، ومستلزماتها المستوردة من الخارج، فيما ترك لها حرية اختيار أنواع المزروعات وتسويقها بالداخل والخارج.
من جانبه يقول الخبير بـ(الفاو) الدكتور نصر الدين عبدالله حاج الأمين أنّ الاستثمار الأجنبي أصبح يمثل خطراً على السودان، مشيراً إلى أنّ هنالك مليون و 200 ألف هكتار وُزعت لشركات أجنبية في السودان، ومحذراً من صيغ الإيجار في ظل غياب أي استثمار حقيقي، واصفاً الاتفاقيات التي تمت بين السودان وأولئك المستثمرين أنها حبر على الورق. ويشير تقرير لـ "بي بي سي" أن تسارع استحواذ الدول الغنية على الأراضي في دول فقيرة، ليست كلها لضمان الأمن الغذائي، بل هناك أهداف ربحية تجارية بالمضاربة في سوق الغذاء أيضا، وفي السودان وحده، يقول التقرير، اشترت كوريا الجنوبية 690 ألف هكتار، والإمارات 400 ألف هكتار. أما المعهد الدولي لأبحاث سياسات الغذاء، فيقدر أن هناك ما بين 15 إلى 20 مليون هكتار من أراضي الدول الفقيرة اشترتها دول غنية أو تفاوضت لشرائها في عام 2006م، ويشكل ذلك خمس حجم الأراضي الزراعية في كل الاتحاد الأوروبي، فيما يقدر المعهد قيمة تلك الصفقات بما بين 20 و30 مليار دولار!!
وإذا صدقت بعض التقديرات التي تشير إلى إمكانية تواجد مليون مزارع صيني للعمل في إفريقيا بنهاية السنة الماضية 2099م، فان ذلك سيعني إزاحة عدد اكبر من صغار المزارعين الأفارقة من أعمالهم، وليس من أرضهم فحسب!!.. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الأوساط السودانية تتوقع تدفق أعداد هائلة من الفلاحين الأجانب نحو أراضيها ولاسيما في الشمال في حال أنجزت الحكومة مهامها في إنشاء خزانات المياه، ما يدعو إلى التساؤل حول جدوى ما تطلق عليه الحكومة مشروعات تنموية!!
يقول السيد جاك ضيوف، مدير الفاو: "من الناحية الفعلية، أسفرت المفاوضات عن علاقات دولية غير متكافئة وزراعة قصيرة الأجل ذات روح تجارية، كما أن المخاطر تكمن في خلق حلف استعماري جديد لتأمين مواد أولية بدون أية قيمة إضافية في البلدان المنتجة ، ناهيك عن خلق ظروف عمل غير مقبولة للعاملين في الزراعة". ويرى أحد المحللين، ضرورة إشراك مواطني تلك البلدان في مثل هذه القرارات، لأن الأراضي تعتبر أصول وثروات لا ينبغي أن تترك لحفنة من النخب تتصرف فيها في جنح الظلام.
تقدم الدول الفقيرة محفزات استثمار تتضمن حق المستثمر الأجنبي في تصدير إنتاجه، ربما كاملاً ، وعلى سبيل المثال فقد عرضت باكستان على دول الخليج نصف مليون هكتار من الأرض لاستزراعها على أن تتكفل بتوفير 100 ألف عنصر امن لحمايتها لهم، أما السودان، الذي يعد اكبر الحاصلين على المعونات الغذائية الدولية،فيقال أنه يعطي الأجنبي حق تصدير 70 في المائة من إنتاج الأرض التي يشتريها في البلاد إلى الخارج.
الشاهد أن تلك الصفقات تلقى معارضة داخلية قوية كما حدث في مدغشقر، حيث سقطت حكومة بسبب صفقة مع شركة كورية، كما جعلت المعارضة الداخلية مجموعة خليجية تغلق مشروعاً لإنتاج الأرز في أراضي اندونيسية مساحتها نصف مليون هكتار بكلفة 4.3 مليار دولار، فيما أجلت الصين صفقة لشراء 1.2 مليون هكتار في الفلبين. ونأمل استصحاب هذه القضية الجوهرية في الانتخابات القادمة لإسقاط مشروع بيع الأراضي السودانية للمستثمرين الأجانب!!
نواصل .................